عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

383

اللباب في علوم الكتاب

ومنه قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « ما من أحد من النّاس أمنّ علينا في صحبته ، ولا ذات يده من ابن أبي قحافة » « 1 » يريد أكثر إنعاما بماله ، وأيضا فاللّه تعالى يوصف بأنّه منّان ، أي : منعم ، و « المنّ » أيضا النّقص من الحقّ . قال تبارك وتعالى وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [ القلم : 3 ] أي : غير مقطوع وغير ممنوع ؛ ومنه سمي الموت منونا ؛ لأنه ينقص الحياة ، ويقطعها ، ومن هذا الباب : المنّة المذمومة ؛ لأنّها تنقص النّعمة ، وتكدّرها ، والعرب يمتدحون بترك المنّ بالنّعمة قال قائلهم : [ الرمل ] 1219 - زاد معروفك عندي عظما * أنّه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته * وهو في العالم مشهود كثير « 2 » والمنّ : الذي يوزن به ، ويقال في هذا : « منا » مثل : عصا . وتقدّم اشتقاق الأذى . و « منّا » مفعول ثان ، و « لا أذى » عطف عليه ، وأبعد من جعل « ولا أذّى » مستأنفا ، فجعله من صفات المتصدّق ، كأنّ قال : الذين ينفقون ، ولا يتأذّون بالإنفاق ، فيكون « أذى » اسم لا ، وخبرها محذوف ، أي : ولا أذى حاصل لهم ، فهي جملة منفية في معنى النّهي . قال شهاب الدّين : وهذا تكلّف ، وحقّ هذا القائل أن يقرأ « ولا أذى » بالألف غير منوّن ؛ لأنّه مبنيّ على الفتح على مشهور مذهب النّحاة . فصل في سبب النزول قال الكلبيّ « 3 » : نزلت في عثمان بن عفّان ، وعبد الرّحمن بن عوف . أمّا عثمان فجهّز جيش العسرة في غزوة « تبوك » ، بألف بعير بأقتابها ، وأحلاسها ، وألف دينار . قال عبد الرّحمن بن سمرة : جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة ، فصبّها في حجر النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فرأيت النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - يدخل فيها يده الكريمة ويقلبها ، ويقول : « ما ضرّ ابن عفّان ما عمل بعد اليوم » . وقال « يا ربّ ؛ عثمان رضيت عنه فارض عنه » « 4 » فنزلت هذه الآية الكريمة . وأمّا عبد الرحمن بن عوف ، فإنّه جاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 7 / 41 ) . ( 2 ) ينظر : الرازي 7 / 41 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 249 . ( 4 ) أخرجه الترمذي ( 5 / 585 ) رقم ( 3701 ) والحاكم ( 3 / 102 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 5 / 215 ) عن عبد الرحمن بن سمرة . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . وأخرجه الترمذي ( 5 / 584 ) رقم ( 3700 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 5 / 214 - 215 ) من حديث عبد الرحمن بن خباب . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .